الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

202

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من ذلك أنه كما لم يقم دليل قطعي على عدم تعلق التكليف بالمسببات كذا لم يقم عليه دليل ظني أيضا وفيه أنه لا يرتبط بذلك قوله ومن ثم حكى بعض الأصوليين إلى آخره لوضوح أن رفع الاستبعاد عن تعلق الأمر المسببات معا لا ربط له بالقول بتعلق الأمر بالمسببات وحدها وقد يتكلف في تصحيحه بجعله إشارة إلى ما ذكر أولا من دفع الدليل القطعي على عدم وجود المسببات فالمراد أنه لما لم يقم دليل قطعي على عدم صرف الأمر بالمسببات إلى الأسباب حكى بعض الأصوليين القول باختصاص الوجوب بها من دون أسبابها وهو كما ترى ويمكن توجيه العبارة بإرجاعها إلى دفع ما ادعي أولا من الاستبعاد بأن يقال إن مقصوده من ضم الأسباب إلى المسببات ضمها إليها في التكليف بالمسببات من غير أن يتعلق التكليف بالأسباب [ في بيان ما قد يستدل بها على تعلق التكاليف بالأسباب دون مسبباتها زيادة على ما وما يرد عليها . ] بيان ذلك أن هناك وجوها أربعة أحدها أن يكون الأسباب هي المتعلقة للتكليف من غير أن يكون المسببات مكلفا بها ثانيها أن يتعلق التكليف بالمسببات وحدها من غير أن يكون الأسباب ملحوظة معها في التكليف بها ثالثها أن يكون المسببات متعلقة للتكليف ملحوظة مع أسبابها من غير أن يكون الأسباب مكلفا بها رابعها أن يتعلق التكليف بالأسباب والمسببات جميعا وهذا مقصود المستدل بالاستبعاد المذكور ولا يتم له ذلك فإن الذي يقتضيه الاستبعاد المفروض عدم تعلق التكليف بالمسببات على الوجه الثاني فإنه لما كان القدرة غير حاصلة مع المسببات وحدها استبعد تعلق الأمر بها بملاحظتها على الوجه المذكور وذلك لا يستدعي تعلق الأمر بأسبابها أيضا لإمكان وقوع الأمر بها على الوجه الثالث بأن يكون المسببات مأمورا بها بملاحظة اقترانها مع أسبابها من غير أن يكون الأسباب مأمورا بها أصلا فإن تعلق القدرة بها من جهة أسبابها لا يقتضي أزيد من تعلق التكليف بها بملاحظة اقترانها معها هذا وقد يستدل على تعلق التكاليف بالأسباب دون مسبباتها بوجوه أخر منها أن كل ما يتعلق به التكاليف من أفعال المكلفين ولا شيء من المسببات بفعل للمكلف وإنما هي أمور تابعة للفعل الصادر منه من الحركات الإرادية الحاصلة بتحريك العضلات حاصلة عند حصولها من غير أن يباشر النفس إيجادها فلا يكون شيء متعلقا للتكليف ومنها أن المكلف به بالتكاليف المتعلقة بالأفعال ليس إلا إيجادها في الخارج لا وجودها في أنفسها إذ ليس الوجود من حيث هو قابلا لتعلق التكليف به وحينئذ فنقول إن إيجاد المكلف للمسبب إما أن يكون عين إيجاده للسبب بأن ينتسب الإيجاد إلى السبب انتسابا ذاتيا وإلى المسبب انتسابا عرضيّا أم إيجادا آخر غير إيجاد السبب لا سبيل إلى الثاني ضرورة أنه ليس هناك إلا تأثير اختياري واحد صادر عن المكلف كما يشهد به الوجدان فتعين الأول فيكون الأمر بالمسبب عين الأمر بسببه لاتحاد السبب والمسبب في الإيجاد الذي هو متعلق الأمر وحيث إن الإيجاد يتعلق بالسبب أولا وبالذات وبالمسبب ثانيا وبالعرض يكون متعلق التكليف في الحقيقة هو السبب ومنها أنه لا شك في انقطاع التكليف بفعل المكلف به وإنما وقع الخلاف في انقطاعه حال حصول الفعل أو في الآن الذي بعده وأمّا قبل حصول ما كلف به فلا كلام في بقاء التكليف وعدم انقطاعه وحينئذ فنقول إنه بالإتيان بالسبب المؤدي إلى المأمور به إما أن ينقطع التكليف بالمسبب أو لا سبيل إلى الثاني إذ بعد حصول السبب المستلزم لحصول المسبب يكون حصول المسبب بالوجوب ولو بالنظر إلى العادة فلا يكون قابلا لتعلق التكليف به إذ من شرط التكليف كون المكلف به جائز الحصول والانتفاء كما قرر في محله فتعين الأول وذلك قاض بكون المأمور به في الحقيقة هو ما أوجده من السبب لما عرفت من عدم انقطاع التكليف قبل حصول الواجب ويرد على الأول أن ما يتعلق به التكليف من فعل المكلف يعم ما يكون فعلا له ابتداء أو بالواسطة فإن الأفعال التوليدية هي أفعال المكلف ولذا يتصف بالحسن والقبح ويتعلق به من جهتها المدح والذم فإن أريد بفعل المكلف المأخوذ وسطا خصوص الأول فكلية الصغرى ممنوع ومعه لا ينتج الكلية ليثبت به المدعى وإن أريد به الأعم فالكبرى ممنوع وعلى الثاني أنه إن أريد باتحاد التأثير والإيجاد أن الأمر الحاصل من المكلف ابتداء تأثير واحد فمسلم وهو إنما يتعلق بالسبب ثم يحصل بعد حصول السبب تأثير آخر إما من نفس السبب إن قلنا بكونه علّة فاعلية لحصول المسبب أو من المبدإ الفيّاض أو غيره إن قلنا بكون الأسباب العادية عللا إعدادية وعلى التقديرين يستند فعل المسبب إلى المكلف لكونه الباعث عليه وإن لم يكن مفيضا لوجوده ابتداء أو مطلقا إذ لا يعتبر في جواز التكليف أن يكون المكلف به فعلا ابتدائيا للمكلف مفاضا منه على سبيل الحقيقة بل يكفي فيه كونه فعلا له عرفا مستندا إليه ولو كان فعلا توليديا له كما مر وإن أريد به وحدة التأثير في المقام مطلقا فهو بين الفساد فإنه إن قيل حينئذ يكون إيجاد المسبب بالعرض بمعنى أنه لم يتعلق به إيجاد على الحقيقة وإنما تعلق به بنحو من المجاز فهو واضح الفساد إذ لا يعقل تحقق موجود ممكن في الخارج من غير أن يتعلق الإيجاد به على الحقيقة وإن قيل بعدم تعلق الإيجاد به منفردا بل به وبسببه معا فهو أيضا في الفساد كسابقه إذ من الواضح كون كل من السبب والمسبب فعلا مغايرا للآخر بحسب الخارج مباينا له ومن البين في أوائل العقول عدم إمكان حصول فعلين متعددين متباينين في الخارج بتأثير واحد شخصي متعلق بهما لتوقف كل من فعلين مختلفين كذلك على تأثير منفرد متعلق به ودعوى شهادة الوجدان باتحاد التأثير في المقام فاسدة جدا كيف ومن البين أن التأثير المتعلق بجز الرقبة مثلا غير التأثير المتعلق بزهوق الروح فكيف يقال بحصول الأمرين بتأثير واحد غاية الأمر أن يكون التأثير المتعلق بأحدهما حاصلا بواسطة التأثير المتعلق بالآخر ومنوطا به في العادة وإن حصل التأثير الثاني من مؤثر آخر بحسب الواقع كما قررنا وقد ظهر بذلك اتحاد مناط الاستدلال في الوجهين وفي الجواب عنهما ثم مع الغض عن جميع ما ذكرنا وتسليم اتحاد التأثير المتعلق بهما بكون نسبة الإيجاد إليهما على نحو واحد فكما يمكن أن يكون السبب متعلقا للتكليف يمكن أن يكون المسبب متعلقا له من غير فرق أصلا وحينئذ فلا وجه لجعل انتساب أحدهما إليه ذاتيا والآخر عرضيا والحكم بكون الأول متعلقا للتكليف حقيقة